نخبة من الأكاديميين
508
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
ونضيف إلى ما سبق أن الإنسان بفطرته يطمح إلى ( التغيير ) ، أي تغيير الواقع الذي يعيشه إلى الأفضل باستمرار . من نوازعه الفطرية التي قد تخمد لديه أحياناً ، لكنها لن تنمحي من صفحة الذات ، وهو مجهز بإمكانات التعالي على الواقع والخلاص من ضغوطه وتصور الحالة الأفضل تصوراً إجمالياً - وربما كان تفصيلياً - ، ثم العمل على تغيير الواقع إلى الصورة المفترضة . وهذه حالة لا يتمتع بها أي مخلوق آخر . ومن هنا تنشأ عملية التغيير وتطبع الحياة الإنسانية بطابعها الحضاري ، دون غير الإنسان من الموجودات . هكذا يمكن أن نقرر أن العملية الحضارية تحتاج في كل مراحلها إلى الايمان بالقيم الثابتة على النحو الآتي : أولًا : في مرحلة إيمان الإنسان بذاته . ثانياً : في مرحلة العبور إلى خارج الذات . ثالثاً : في مرحلة صياغة الفكر وتكوين الصورة عن الحاضر والمستقبل انطلاقاً نحو التغيير إلى الأفضل . رابعاً : في مرحلة نقل الفكرة إلى الآخرين واستلام أفكارهم . خامساً : في مرحلة الاكتشاف والتقسيم والتمحيص والتداول . سادساً : في مرحلة الاستنتاج والاقتناع . سابعاً : في مرحلة التخطيط للتغيير . وأخيراً : في مرحلة تنفيذ التغيير وتحقيقه . وخلاصة الأمر : أن هناك تلازماً تاماً بين المسيرة الحضارية الإنسانية التغييرية وعملية الحوار والإيمان بالقيم المشتركة والمطلقة . القيم المشتركة مطلقة واقتضائية : إستناداً إلى المقاربة التحليلة السالفة الذكر ، نؤكد على وجود منظومتين من القيم : أحداهما مطلقة التأثير ، لا تحدها حدود أو ظروف معينة ، والأخرى هي قيم الحالة الطبيعية ، أو ( قيم الأصل ) ، ما يعني تحولها إلى النقيض أو فقدانها التأثير المطلوب إذا طرأت ظروف أخرى . ومن أمثلة المجموعة الأولى : قيمة العدالة ، فهي مطلوبة مهما كانت الظروف . وكذلك تقديم الشكر للمنعم المتفضل . ومن أمثلة المنظومة الثانية : حفظ الذات ، وحفظ الكرامة ، والتعاون ، والدفاع عن المستضعفين ، والسلام والأمن ، والتغيير إلى الأفضل ، والرحمة ، الايثار ، والأمانة .